صامد

صامد

الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

قبر حيدر ... بقلم: أحمد دحبور

صامد للأنباء -
في البداية: لا أشير الى ضريح معين يخص أحد الصالحين، بل تقتادني ذاكرة الطفولة الى ذلك اليوم الذي هبطت فيه طائرة مروحية قرب المخيم، كنت لا أزال أسكن في مدينة حمص السورية، وكان مخيمنا - ولا يزال كما اعتقد - مجاورا لأرض برية وعرة، يومها حطت الطائرة بضجيجها الذي يبعث الرهبة، ونزل منها جنود غامضون، لم يلبثوا ان أخرجوا تابوتا ملفوفا بالعلم ووضعوه على الأرض، منتظرين القافلة التي ستقله .. الى هنا والمنظر شبه طبيعي بالنسبة الى أطفال تدهشهم الطائرة ومن يحيط بها، لكن اللحظة التي رسخت ذلك المنظر في الذاكرة، هي التي ظهرت فيها تلك الصبية المتشحة بالسواد، وهي تولول وتندب سائلة عن حيدر .. وغني عن القول ان تلك المفجوعة كانت من ذوي حيدر هذا .. أما لماذا حطت الطائرة به الى جوارنا، فان وعينا الطفولي ما كان ليفهم ذلك، الى ان شرح لنا الكبار، فيما بعد، ان ذلك جثمان شهيد يرجح انه علوي، لأن مخيمنا يحاذي حي النزهة الذي كان يقطنه السوريون العلويون، ولأن مخيمنا كان مجاورا لبريّة شاسعة نسبيا، فقد هبطت الطائرة هناك ليتاح لأهل الشهيد حيدر ان يحملوه الى مثواه الأخير.
ولعل كلمة «الشهيد» كانت تطرق أسماعنا الصغيرة لأول مرة، أما عقلاء المخيم وكباره، فقد اهتموا بالصلاة على الجثمان وان كانوا لا يعرفون هوية الشهيد.
ستمر أيام كثيرة بعد ذلك المشهد، وتجري مياه غامضة تحت جسور لا نحيط بها، ولكن المشهد رسخ في ذكرياتنا - ذاكرتي على الأقل - ولا يزال صوت الصبية المفجوعة بحيدر يطرق الوجدان والذاكرة حتى بعد ان اشتعل الرأس شيبا، ولا أزال أذكر اننا - معشر أطفال المخيم - صرنا نطلق على المكان اسم «قبر حيدر» وحافظنا على هذا التقليد مدة طويلة، أما الاستاذ علي - الذي كان يدرسنا اللغة العربية - فكان يردد للمناسبة، ولكل مناسبة مثلها بعد ذلك: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون.
والمثير أنني بقيت لفترة لا يستهان بها، أتخيل ذلك الحيدر وهو حي عند ربه، وحتى عندما انطلقت الثورة الفلسطينية واصبح لدينا شهداء يزينون تلك المقبرة، بقيت أردد بيني وبين نفسي ان شهيدنا سيرقد الى جوار حيدر، حتى اذا مشى بنا الزمن حتى استشهد أخي الأصغر، كامل، وجدتني أتخيله يذهب سعيدا ليرقد قرب حيدر!! وقد عمقت أمي هذه الفكرة في مخيلتي، بعد ان اصبحت أسمعها تناجي ابنها الشهيد وتحاوره كأنه أمامها، وربما لم تكن أمي تذكر قبر حيدر الذي استضاف ابنها، او لعلها لم تقتنع بذلك، لأن جثة كامل بقيت بعيدة عنا، فقد استشهد في مخيم تل الزعتر وبقي جثمانه هناك. أما انا، فلأمر ما، كنت أشعر بأنه عقد صداقة، لا بدّ، مع جثمان حيدر ..
الآن، بعد مرور هذه السنوات على حيدر، وبعده على أخي، وبعده على من لا استطيع ان أحصي من الشهداء، أتساءل: هل ان تلك الصبية التي شاهدتها طفلا وهي تندب وتطلب حيدر لا تزال على قيد الحياة؟ ولا تزال تتفجع على أخيها؟.
لست في معرض كتابة بحث حول الفقدان، وما تضفيه مشاعرنا على راحلينا الأعزاء، ولكنني أتساءل عما اذا كان تاريخنا الشخصي هو حصيلة الفجائع والفقدانات التي عشناها في هذا العمر؟ ويحضرني لهذه المناسبة قول الشاعر الذي كان يبكي عند كل قبر يراه، لأن أي قبر هو بالنسبة اليه قبر شقيقه مالك، فتتعزز القناعة لديّ بأن البشر انما يخلدون شهداءهم في قلوبهم وذكرياتهم، كشكل من أشكال التعويض، والا فمن يفسر لي لماذا تعطي النائحات مكاناً خاصاً للثكلى التي فقدت عزيزا، أليس هذا شكلا من أشكال الإحياء المعنوي للعزيز الغائب؟.
بمثل هذه الأفكار والتصورات، كانت ذاكرتي تعتمل وانا أتابع تشييع شهدائنا الذين أمكن احضار جثامينهم، ولن أنسى ان المخيم بكامله تقريباً كان يخرج لتشييع الشهيد الجديد وكأنه يحيي بذلك ذكرى شهدائه السابقين .. ولقد ضبطت نفسي، ذات مرة، وانا أقسم لأؤكد صدق ما أذهب اليه، فأقول: ورحمة حيدر!! يا الله وهل حيدر هذا الا مجموع الشهداء سواء أكنا نعرفهم أم لا نعرف؟.
بل انني أذهب الى أبعد من ذلك، فأتفق مع الجميع على ان للشهداء مكانة خاصة، ولكنني أضيف بأن من لم يستشهدوا مباشرة، بقيت لهم تلك الحظوة المعنوية، كأن الموت يرفعهم الى مقامات تعز علينا جميعا، ولم لا؟ الا تعتبر الأوساط الشعبية ان الشهداء يضاف اليهم كل من مات محترقاً او غريباً او غريقاً؟ ألا يشمل قبر حيدر المعنوي راحلينا جميعا حتى ليغدو الدعاء بالرحمة للراحلين جميعا واجباً على الأحياء؟
لا أدري كيف حضرني قبر حيدر فجأة، وكيف انبثقت صورة شقيقته من الذاكرة، الا أنني واثق من أنني لست الوحيد الذي يستذكر الراحلين ويترحم عليهم، ومرة ثانية صدق الشاعر الذي بكى على القبور جميعا «لأن هذا كله قبر مالك» ..
أعتذر لمن أصابهم حديثي عن الموت بالرعشة، ولكنها الدنيا .. وفي ثقافتنا ان الذين يموتون في سبيل الله يظلون أحياء ولكن لا تشعرون .. ومن هو الذي لم يفقد عزيزاً في هذا العمر؟
بهذا التسليم أزجي التحية والدعاء بالرحمة حتى على قبر حيدر الذي لم أعرفه ولم أره ..
أما الشهداء فهم لا ينتظرون تحيتي ودعائي، وحسبي انهم حاضرون في قلوب ذويهم وشعبهم حتى يقوم الأشهاد ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

فلسطيني وأفتخر

فلسطيني وأفتخر