صامد

صامد

الأحد، 15 مايو، 2016

عمر عمارة.. 84 عاما من العشق لـ"مسكة"

صامد للأنباء -

هدى حبايب
84 عاما هي عمر المسن عمر محمد حسين عمارة، لم تمح من ذاكرته مسقط رأسه "مسكة"، التي هجر الاحتلال الإسرائيلي سكانها عام 1948، ودمرها بالكامل، وزرع مكانها حرش كينا، في محاولة منه لطمس معالم الحياة الفلسطينية التي كانت سائدة فيها.
بذاكرته القوية، وقلبه الكبير يستذكر قريته مسكة بأدق تفاصيلها اليومية، وكأنها ماثلة أمامه، يريد أن يعرف الجميع بها.. أخرج عدة ورقات من جيبه كتب فيها كل ما يجول في خاطره عن قريته التي يحن لها كما يحن الأب لوليده، ويقول: "أكتب خوفاً من النسيان، فالعمر يمر وأخاف أن أنسى فتنسى الأجيال".
ويضيف عمارة المُكنى  بـ (أبو محمد)، قريتي مسكة ولدت بها وعشت فيها 15 عاماً من عمري قبل أن نتركها عنوة، وهي إحدى قرى طولكرم منذ العهد التركي والانتداب البريطاني، تقع إلى الجنوب الغربي من طولكرم على مسافة (15) كم، تجاورها قرية الطيرة على مسافة 2 كم إلى الشرق الشمالي، ومن الشرق قلقيلية، ومن الجنوب كفر سابا العربية.  
ومسكة، حسب (أبو محمد)، قرية زراعية، أصحابها البالغ عددهم عام 48 (1020) نسمة، يملكون 12 ألف دونم من أخصب الأراضي، منها 7 آلاف مشاع تشكل غابة مسكة، فيما 5 آلاف هي أملاك خاصة، وجميعها مزروعة بجميع أنواع الخضار والفواكه والحبوب.
 يقول عمارة: "مسكة معشوقتي، وستظل كذلك الى الأبد.. هناك كنا عايشين بالخير كله"، ويضيف "في مسكة 3 آبار ارتوازية، ومطحنة حبوب، وخياط واحد يدعى أحمد مصطفى، وخياطة نسائية تدعى نجيبة الناصر، ومقهيين الأول مقهى راشد، والثاني لمحمود عودة أبو طاحون، وفرن واحد إضافة إلى وجود طابون في كل بيت، كما كان فيها أربعة دكاكين، اثنان لوالده وعمه والآخران لعائلة أبو طاحون، وجزار واحد هو عبد الرحيم عمارة كان يذبح في يوم الجمعة من كل أسبوع، ويوجد بها مختار واحد هو الشيخ عبد الحفيظ الزهد، ومسجد قديم ومدرسة حكومية تدرس حتى لصف الرابع وفيها اثنان من المعلمين من الطيرة وقلقيلية، و3 مقامات، هي مقام الشيخ اسعيد وسط القرية، ومقام الشيخ محمد على طرف القرية الجنوبي، ومقام الشيخ رسلان إلى الغرب الجنوبي من القرية.
ويصف عمارة نفسه بأنه كان يعي بالأحداث التي كانت تعم فلسطين، متتبعاً للأخبار، كثير الأسئلة والاستفسار، ملازماً لوالده منذ طفولته في جولاته في حيفا ويافا والطنطورة والقدس، فتكونت لديه فكرة عن ما يجري في فلسطين رغم صغر سنه، فخزنها في ذاكرته لتكبر معه سنوات وسنوات إلى أن تجاوز الثمانين عاما، لم ينس منها حرفاً واحداً بل وحدّث بها أولاده وأحفاده، على خطى ان الكبار إذا ماتوا فإن الصغار لن ينسوا.  
ويرى عمارة أن هذه القرية بتفاصيل الحياة التي كانت سائدة فيها يثبت أن جذور شعبنا الفلسطيني على هذه الأرض ممتدة عبر التاريخ، وأن البلاد التي كانت عامرة بأهلها ومزدهرة ليست كما يدعي الاحتلال بروايته الكاذبة، أنها كانت أرضنا بلا شعب وكانت خرابا وعمروها.
"أخرجونا من قريتنا في الوقت التي كانت المعارك قائمة وعلى وشك الانتهاء في مدن حيفا ويافا والخط الساحلي وطريق القدس يافا، لتصبح القرية في خط المواجهة، فأرسل الاحتلال لنا عدة خيارات، منها تسليم الأسلحة والعيش في القرية تحت الحكم الإسرائيلي وهذا ما اعتبرناه خيار مبطن بمخطط صهيوني سيفضي إلى التضييق علينا مستقبلا، أو الرحيل أو المواجهة، فأصبحنا بإمكانياتنا المتواضعة أمام منظمات صهيونية مسلحة إذا ما تمت المواجهة سنخسر الكثير، فقررنا الرحيل عن القرية ولكن ليس ببعيد فكان التوجه إلى قرية الطيرة التي تبعد 2 كم عن القرية، على أمل العودة مرة ثانية إلى منازلنا.." يقول عمارة الذي أشار الى أن الأمر لم ينته إلى هنا، بل واجهتهم العديد من التهديدات من قبل الاحتلال الذي مارس التضييق بحق سكان الطيرة، ونحن اللاجئين الذين كنا نعيش بها، لإجبارنا على المغادرة إلى مكان آخر والإبقاء على سكان القرية فقط، فخرجنا إلى طولكرم، ونصبنا (عريشة) في منتزه البلدية الذي كان في السابق عبارة عن مقبرة، إلى أن جاءت وكالة الغوث ونصبت الخيام في مخيم طولكرم الآن، وطلبت منا السكن بها، فمر عام وآخر والخيمة تتغير ونحن مكاننا، والسنين تمر، فقمنا ببناء غرف من الحجارة، وتزوجت وأنجبت 13 ولدا وبنتا، وما زلنا نعيش في المخيم حتى الآن.     
"يوم نكبتنا هو يوم للفرح والاحتفالات لدى الاحتلال الإسرائيلي ويعتبرونه عيد الاستقلال أقاموا فيه دولة عنصرية على أنقاض شعبنا، تغمرهم السعادة لما أصابنا من بلاء، كيف لا وهم من قتلوا الشباب وطردوا العباد واحتلوا البلاد" قال عمارة قبل ان تغرق عيناه بالدموع.
وشدد "أبو محمد" على أن العودة حق قائم سيأتي يوماً مهما طال الليل، وقال:  سنرجع للدار مهما ابتعدنا ومهما افترقنا، سنرجع يوما فما من محال، قسما أن لا نهون ولا تدوم خيام الهوان، سنرجع للدار للأرض للبحر ولو صار الجدار بطول الجبال، وإذا الشعب يوما أراد الحياة فليس هناك شيء محال.
عمارة يملك مكتبة للقرطاسية على مدخل مخيم طولكرم، وقسم لطباعة الوثائق مصدر رزقه الآن، كانت هي نفسها الخيمة التي سكنها قبل 68 عاماً.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

فلسطيني وأفتخر

فلسطيني وأفتخر