صامد

صامد

الأحد، 7 أغسطس، 2016

من بريد الأسرى

صامد للأنباء -
القدس 7-8-2016 وفا- يامن نوباني 


قبل أربعين عاما، وتحديدا في 5 أبريل/ نيسان 1976، كتب الأسير عبد الله بركات من سجن بئر السبع الجديد، إلى شقيقه أيوب بركات: "إن وجد اللوز الأخضر فأرجو إحضار كمية قليلة منه في الزيارة".
وفي 1-2-1976 كتب عبد الله بركات لصديقه ناصر كميل من قباطية: "أكتب لك في هذه الساعة المتأخرة من الليل وأنا في نشوة عارمة لذكرى صوت فيروز "سكن الليل"، أجتر دخان سيجارتي على ذكرى الصوت لأن صوتها الحقيقي لا يصلنا إلا بما تجود به الصدفة. فيرد ناصر: عزيزي عبد الله الوقت هو الصباح والنغمات الفيروزية تنساب مرتلة.. "من عزّ النوم بتسرقني وأهرب لبعيد بتسرقني".

أخبار عادية وعائلية، لا يدرك من لا يحتاجها بقوة، أو من لم يعايشها مدى تأثيرها على النفس، على تفاصيله اليومية المكررة، تلك الكلمات البسيطة والعفوية كانت تعني أحوال كثيرين، وتلخص مواقف هائلة حول عائلة أو حارة أو قرية بأكملها في كلمتين نسمعهما كل يوم، وهما: الجميع بخير.
في متحف أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس- أبو ديس، والذي أسسه ويدير شؤونه فهد أبو الحاج، الذي دخل سجون الاحتلال عام 1978 أميا ليخرج منها بدرجة دكتوراه، في المبنى المكون من ثلاثة طوابق يتم الاحتفاظ بمطرزات ومنحوتات وأغراض شخصية وآلاف الرسائل والكراسات التي كتبها الأسرى منذ سبعينيات القرن الماضي، جمعها المركز من الأسرى والبيوت، وكانت تنقل إلى العالم الخارجي بعدة طرق، منها الرسمي عبر الصليب الأحمر، وهي الطريقة التي كانت تعاني من طول فترة مكوث الرسالة لدى إدارة مصلحة السجون، إضافة الى إخضاعها للرقيب الذي لم يكن يتهاون في تمزيقها أو إعادتها في حال شعر أنها تحوي مصطلحات غير مرغوب بها، وفي كثير من الأحيان لم تكن الرسالة تصل.
طريقة أخرى هي "الكبسولة" وهي مادة مكتوبة بخط صغير جدا قد لا يرى إلا بواسطة عدسة مكبرة، وتسمى هذه الطريق "السمسمة"، تكتب على أوراق شفافة جدا قابلة للثني والطي بطريقة منظمة لتصبح بحجم عقب السيجارة أو أقل. تغلف جيدا بالنايلون الشفاف وتغلق بالحرق وتسييح طرفها بحيث لا ينفذ اليها الماء أو لعاب الفم، وبحيث لا تذوب في المعدة عند بلعها، وإخراجها، وخاصة أوراق التبغ –سجائر أوتومان- المستخدمة للف السيجارة العربية والهيشة، حيث يتم لصق ورقتين لعمل صفحة أكبر وتمتاز بشفافيتها وسهولة طيها وعند فتحها تزول علامات الطي وتكون الكتابة واضحة.
طريقة ثالثة لتبادل الرسائل وهي شبك الزيارة، حيث يتم دس الرسالة عبر فتحة صغيرة جدا في الشبك الفاصل بين الأسير والزائر. وتذكر التجارب أن اصدارات أدبية احتاجت نقل أكثر من 60 كبسولة عبر الشبك، لكن اليوم لم يعد هناك شبك، فقد استبدل بسماعة هاتف ولوح زجاجي.
طريقة أخرى أخرجت من خلالها رسائل كثيرة، وكانت طريقة فاعلة وحيوية، وهي عبر مراقبي امتحانات الثانوية العامة في المعتقلات، والذين من خلالهم كان يتم تهريب رسائل وكراسات.
أما الرسائل الداخلية، فكانت تتم عبر محطة الرملة، والتي يلتقي فيها المعتقلون من كل المعتقلات إما لغرض العلاج في مستشفى الرملة أو الانتقال من معتقل إلى آخر، إضافة الى استخدام المحاكم لهذه الطريقة، حيث يحمل الكثير من الأسرى لدى نزولهم إلى المحكمة رسائل إلى معتقلات أخرى.
أما الرسائل التنظيمية بحسب الأسير المحرر مؤيد عبد الصمد "الشيص"، فهي المرسلة من معتقل الى آخر، غالبا ما يتم بلعها ثم إخراجها مع البراز في مسار الرحلة أو في السجن المنقول إليه الأسير، وتذهب الى وجهتها بعد غسلها وإزالة الطبقة الخارجية من النايلون، وكانت تعرّض الأسير لمخاطر صحية كالبواسير والتقرحات المعدية، خاصة أن الأسير المنقول لا يقتصر نقله على كبسولة واحدة، بل قد تصل إلى عشر كبسولات. واحيانا كانت تنقل الكبسولة عبر الملابس الداخلية، حيث يحيك الأسرى جيوبا خاصة بها، يصعب على السجان اكتشافها.
يحسب لرسائل السجون أنها جعلت المئات من المعتقلين الأميين يتعلمون القراءة والكتابة، خاصة أنها الطريقة الوحيدة للتواصل مع العالم الخارجي لكثير من الأسرى الذين منع أهلهم من زيارتهم لسنوات طويلة.
رسائل كانت تصل من دول عربية وأجنبية كثيرة، تحمل تواقيع الأشقاء والأهل والأصدقاء، ففي 2 حزيران/ يونيو1973، أرسل سليم عبد الفتاح رسالة حملت عنوان: وزارة الأشغال العامة، الكويت.. المستقبل حافظ أبو عبية/ سجن عسقلان، ورسالة من خضير حمادة علوات بتاريخ 1 مارس/ آذار 1977 حملت عنوان: الجمهورية العراقية/ محافظة بابل/ قضاء المسيّب/ من مقهى باسم عطية. كما أرسل أيوب بركات إلى عبد الله بركات رسالة بتاريخ 8 أبريل/ نيسان 1976 يطمئن فيها على أحوال الأسير العراقي هاشم، والتأكيد له أنه بين أبناء بلده.
رسائل تعزية، تثبت أن الأسرى لم يكونوا منفصلين عن العالم الخارجي، وأن عليهم واجب أن يكونوا في كل موقف أو مناسبة تستدعي ذلك، فحافظ أبو عبية كتب بتاريخ 16-2-1972 إلى محمد القبلاني في الشيخ جراح بالقدس: "أعزيك بوفاة أم نبيل، ويؤسفني أن تكون الرسالة الأولى بيننا تحمل العزاء والموت".
مراسلات تحكي أسلوب الحياة اليومي للأسير، مقابل الظروف والحالة في الخارج، كما حدث بين وليد أبو سلامة وأيوب بركات بتاريخ 30-10-1977، يتحدث فيها عبد الله أنه يقرأ في اليوم ثماني ساعات ولا يخرج إلى الفورة بسبب البرد الشديد في سجن بئر السبع الجديد، ويرد عليه وليد بالحديث عن غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار حيث ثمن علبة السجائر من نوع "تايم" أصبح 65 قرشا، وعلبة أعواد الثقاب "الكبريت" بثلاثة قروش.
عشرة أسطر فقط هي المساحة التي كانت تجود بها إدارة السجون على الأسير ليكتب أو يستقبل رسالة، يرسلها في الشهر مرة واحدة، ثم تصبح مرتين بعد عدة إضرابات وإنجازات، لكن ذلك لم يمنع من الكتابة الرومنسية، فبتاريخ 29-10-1975 من أيوب بركات إلى عبد الله: رسائلك بمثابة موشح أندلسي أو أغنية لعبد الوهاب، دائما أرددها، إنني أذكرك بأغنية "خي".
وبحسب الدكتور حسن عبد الله، صاحب رسائل إبداعية كتبت على جدار الليل، فإن الرسالة شكلت بالنسبة للمعتقل الفلسطيني نافذة مهمة إلى العالم الخارجي، وتطورت من حيث الشكل والمضمون من مرحلة إلى أخرى. فقد تحولت من سلامات إلى تطمينات إلى نصوص أدبية ذات قيمة إبداعية، وذلك احتاج إلى سنوات من القراءة والكتابة والتثقيف الذاتي.
حافظ أبو عبيّة وعطاف عليان تحدثا باستفاضة عن مرحلة سجن الرملة ودورها، وقسم حافظ الرسالة الى نوعين: رسالة خاصة بكل أبعادها، كتابتها، طبيعة ورقها، كيفية نقلها، وفنون إخفائها عن عيون الرقيب المدرب والحريص على ايقاع الأذى بالأسرى وسرقة فرحهم. أما النوع الثاني فهو الرسالة التقليدية المروسة بعنوان الكاتب والمستقبل بالاتجاهين، بضعة أسطر في الذهاب ومثلها في الإياب، لا يكاد كاتبها يستوفي فكرته، وكي لا يسرح في الكتابة.
أما عطاف عليان، التي أمضت أربعة عشر عاما في سجون الاحتلال، فتخبئ فوق خزانة أمها في بيت لحم، حقيبة متوسطة الحجم، فيها مئات الرسائل، رسائل عائلية، رسائل متضامنين أجانب، داخلية بين المعتقلات، بيانات، تعميمات.. تقول لـ"وفا": للأسير نافذتان، الزيارة والرسالة، الزيارة تحظى بالمشاهدة أكثر من الكلام، أن تتفقد مشاعر وملامح القادمين إليك، وتعيش أجواءها إلى حين موعد الزيارة القادمة. أما الرسالة فهي أطول أمدا، كانت الرسائل تأخذ وقتا طويلا حتى تصل، وتصل إلى ثلاثة وحتى أربعة شهور، وفي الرسائل الداخلية المتبادلة كنت أستخدم ورق الشاي بعد أن أجففه، وكنا ننقلها عبر الأشبال خلال توجههم إلى المحاكم أو عبر محطة سجن الرملة، أتذكر منها رسائل من الشيخ علي فرج، وهي قصائد ثورية ورسائل تربوية.
إحدى الرسائل الظريفة التي وصلت عطاف في العام 1991 من شقيقها طالب الطب في ألمانيا، كانت تحمل أخبارا ترفيهية حول زيارة والدتها لألمانيا وركوبها الطائرة وهي تحمل بطيخة فوق رأسها لتأخذها معها الى المانيا. ورسائل كان يروي فيها أشقاؤها عن شكوك والدتهم بركوب الطائرة لأنها كانت ترى ركوبها يتم عبر صعود درج وليس من خلال جسر.
أشقاء عطاف في ألمانيا والأردن وأميركا، كانوا يأخذون والدتها معهم، للتخفيف عنها، لكنها كانت تتذكر مواعيد زيارة عطاف، وتطالب بالعودة. ومن تلك الرسائل التي تحتفظ بها عطاف رسالة من شقيقتها كريمة في بداية التسعينيات، تظهر اهتمام الأهل بإيصال جميع التفاصيل للأسير، فكتبت كريمة: أما أبناء الحارة عندنا: رحاب تزوجت، سميرة جابت ولد، ومفيدة جابت ولد، وسميحة تزوجت، وعادل خطب..
تحولت تلك الرسائل إلى إصدارت أدبية، أو جزء من أعمال شعرية وروائية ودراسات، كما الحال مع رسائل وقصائد المتوكل طه، ومؤيد عبد الصمد، وخضر محجز، وعبد الناصر صالح، ومحمود الغرباوي، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وسمير شحادة، وعزت الغزاوي، ووليد الهودلي، وباسم الخندقجي، وحسام شاهين، وعلي فرج، وعصمت منصور، وفهد أبو الحاج، وجبريل الرجوب، وعيسى قراقع، وتيسير نصر الله، والعشرات من الأسرى والمحررين.
ــ

0 التعليقات:

إرسال تعليق

فلسطيني وأفتخر

فلسطيني وأفتخر