صامد

صامد

الأحد، 15 ديسمبر 2013

صدام حسين وصلاح خلف" عجّل باغتياله .. أحمد عبد الرحمن يروي تفاصيل خطيرة :"قاتل أبو إياد" حاول قتل كل القيادة الفلسطينية وشخص واحد أنقذهم





وكالة صامد للأنباء



الفصل التاسع عشر:

اغتيال أبو إياد وأبو الهول وأبو محمد

لم يكن أبو إياد مع احتلال الكويت، ولم يكن أبو مازن، ولم يكن خالد الحسن "أبو السعيد "مع الاحتلال، ولم يكن أبو الأديب "سليم الزعنون "مع احتلال الكويت وهايل عبد الحميد "أبو الهول " لم يكن كذلك مع مغامرة صدام باحتلال الكويت. هذه حقيقة للتاريخ، إلا أن وجود أبو عمار في بغداد، ومبادراته لحل الأزمة في البيت العربي الواحد، قد ألقى بظلاله على مواقف أعضاء اللجنة المركزية جميعا. في الواقع لم يكن لأبو عمار أي تأثير على صدام حسين، وقطعت مصر والسعودية أي اتصالات (معه) ما دام قرر البقاء في بغداد. وأجهزة الإعلام العراقية تنقل تصريحات على لسانه تؤيد صدام حسين وتشطب ما يرد على لسانه من كلمات خجولة حول جهوده والجهود الدولية والروسية والفرنسية من أجل الحل السياسي بدل الحل العسكري.

في هذا الوقت، أبدى صدام حسين تذمره من مواقف أبو إياد. ولهذا أقنع أبو عمار أبو إياد وأبو الهول وأبو مازن بزيارة بغداد والاجتماع مع صدام حسين. في أوائل كانون أول 1990 وبعد هذه الزيارة عاد أبو إياد إلى الأردن وتحدث في اجتماع جماهيري في ذكرى الانتفاضة، وفي زيارته الثانية لبغداد (أوائل يناير 91) اجتمع مع صدام حسين بحضور أبو الهول للمرة الثانية. وحين عدنا مع أبو عمار من بغداد إلى تونس يوم 7-1-91 قال أبو إياد: بأنه اجتمع هو وأبو الهول لعدة ساعات مع صدام حسين وأن الاجتماع أزال سوء الفهم. وقال أبو إياد: قلت لصدام إن احتلال الكويت كان خطأ ولكن إذا تعرض العراق للعدوان الأمريكي فنحن مع العراق. وكان أبو عمار يستمع إلى هذا الحديث بيني وبين أبو إياد، ويعبر عن رضاه بقوله: كان صدام يعتقد أن بيننا خلافات وما قاله أبو إياد قلته له ألف مرة، ولكن للأسف إنه لا يستمع إلى النصيحة، وهذه هي المأساة.

في هذه الرحلة من بغداد إلى تونس، كان أبو إياد يرتدي الملابس العسكرية التي وجد أبو عمار أنها أفضل من الملابس المدنية للتكيف مع الحالة العراقية، حيث لن ترى مسئولا عراقيا من المحيطين بصدام حسين أو طارق عزيز بغير الملابس العسكرية. وهذا الوسط العراقي هو المسئول عن العلاقات مع أبو عمار والفصائل التي أخذت تزور بغداد زرافات ووحدانا، وأخذت صور هؤلاء القادة والمسئولين مع صدام حسين تدخل كل بيت ومنبر إعلامي. ولا أستثني الكثيرين من قيادات وكوادر"فتح" سواء عن قناعة أو لأن أخذ صورة مع صدام صارت "موضة"، وكذلك الملابس العسكرية. وداعبت أبو إياد ونحن في الطائرة، وهنأته بهذا الزي الصدامي، فقال: هذا من بنات أفكار أخوك أبو عمار. ويقاطعه أبو عمار ويقول هناك أيضا "الترشيق"، والترشيق تخفيف الوزن والتخلص من السمنة في الجيش والإدارات، وهو قرار اتخذه صدام. فيضحك أبو إياد ويقول: هذه كلها أمور شكلية ومن المؤسف أن صدام قد ارتكب غلطة عمره وهذا لن ينتهي على خير.وقال لي أبو عمار: حضر نفسك، يجب أن نذهب غدا إلى السودان، فلدي موعد مع الرئيس عمر البشير، ونطمئن كذلك على أوضاع القوات في السودان.قلت لأبو عمار: أنا جاهز.

كان أبو عمار، كعادته في الأزمات، يبحث عن أبو إياد، ويحرص على أن يظهرا معا في كل المناسبات. وفي هذه الزيارة إلى بغداد بوجود أبو إياد لعدة أيام إلى جانب أبو عمار واجتماعه وأبو الهول مع صدام حسين، يكون أبو عمار قد بدد الشكوك بأنه وحده مع صدام وباقي القيادة لديهم مواقف مختلفة. ولا يكتفي أبو عمار بهذه الزيارات واللقاءات مع صدام. فالأزمة في ذروتها وهو يرى نتائج الحرب قبل أن تقع، وليس لديه أوهام، ولهذا يريد أن يظهر وكل أعضاء قيادته التاريخية معه في هذا الخيار الإجباري الذي لم يجد له بديلا، وهو أن يقف إلى جانب صدام ضد التدخل الأمريكي. ولا يجد مصدرا لقوته غير الموقف الشعبي سواء الفلسطيني أو العربي، ولأنه لاعب حر في الشرق الأوسط، ما دام بلا وطن وبلا ملاذ آمن فإنه أشد حرصا على وحدة قيادته لتشكل مع شعبيته الكاسحة في فلسطين والوطن العربي، المعادلة التي تضمن بقاءه واستمراريته أمام خسارته لمصر والسعودية وسوريا.

انتهز أبو عمار لحظة انشغال أبو إياد في حديث جانبي مع أحد الأخوة العائدين معنا إلى تونس، فقال أبو عمار لي: هذه عليك، أن تقنع أبو إياد بأن يذهب معنا غدا إلى الخرطوم وكلها سفرة لا تزيد عن يوم واحد "صد.. رد ". وبالفعل عدت أتبادل الحديث مع أبو إياد حول موضوعات مختلفة، ومنها أنه التقى بعض أفراد عائلته الذين حضروا من الكويت، وبعد ما سمعه منهم كان أكثر اقتناعا بأن احتلال الكويت كان عملا جنونيا، وأنه نقل لصدام ما يعانيه الناس في الكويت سواء كانوا فلسطينيين أو مصريين، وما ذنب هؤلاء إذا كانوا يعملون في شركات أو إدارات يملكها الكويتيون.

قلت لأبو إياد : كانت زيارتك لبغداد ضرورية لتبديد القيل والقال حول موقفك، ما دمت لم تؤيد علنا صدام حسين، في الوقت الذي لم يبق مسئول فلسطيني واحد من جميع الفصائل إلا وزار بغداد وقدم فروض الولاء والطاعة. لم يكن هؤلاء يؤيدون احتلال الكويت، ولا يعرفون شيئا عما يجري هناك، بل كانوا يعتقدون أن صدام سيحارب إسرائيل. وقد أيد الفلسطينيون عبد الناصر لأنهم رأوا فيه البطل القومي أو صلاح الدين الذي سيحرر القدس. ورد عليّ أبو إياد مقاطعا: لا يمكنني أن أخون ضميري وقناعاتي وأؤيد مغامرة صدام حسين. وحتى في بغداد لم أصرح بكلمة واحدة حول هذا الموضوع. وكل ما قلته أننا نقف إلى جانب العراق ضد العدوان الأمريكي، وقد أبلغته لصدام حسين بحضور كل أعضاء قيادته.

وحين بدأت الطائرة تحلق في أجواء تونس استعدادا للهبوط نهض أبو عمار كعادته ليرتدي ملابسه العسكرية، وفي هذه الأثناء قلت لأبو إياد بأن أبو عمار يرغب أن ترافقه غدا في زيارة "صدّ ردّ " إلى الخرطوم للاجتماع مع عمر البشير الرئيس السوداني.

رد أبو إياد: يكفيني عشرة أيام مع أبو عمار، وأنا أحتاج بعض الراحة.

قلت: كلام نهائي ؟

قال: يا أحمد، أرجوك أن تعفيني من هذا الإلحاح، والسفر على طريقة أبو عمار لا يحتمل، والسكر عالي عندي بسبب هذه الرحلات الطويلة والاجتماعات، وأوضاع الأسرة والأولاد في الكويت تقلقني كل ساعة.

استقبلنا حكم في المطار، بعد رحلة طويلة بسبب إغلاق الأجواء السورية في وجه الطيران العراقي، وفي اليوم الثاني عند الظهر اتصلت مع أبو إياد من مكتبي في الإعلام، وكنا نلتقي في ذلك الوقت بين الواحدة والثانية والنصف. وفي أحيان كنت أرافق أبو ماهر غنيم في هذه اللقاءات، حيث كان مكتب الإعلام بجوار "التعبئة" ونسكن في منطقة المرسى شمال العاصمة التونسية. أما هذا اليوم، فحين سألت أجاب مرافق أبو إياد ( أبو عيشة ) قال لي هذا وهو يضحك: أبو إياد ليس هنا، فقلت له: قل للأخ أبو إياد أنني لا أتحدث من مكتب أبو عمار بل من الإعلام. وفي هذه اللحظة أخذ أبو إياد سماعة الهاتف من مرافقه (أبو عيشه ) وقال لي: خير إن شاء الله؟ السودان "ما فيش " . ضحكت وقلت له: انس الموضوع، أبلغت أبو عمار اعتذارك، وحتى الآن لا أعلم متى المغادرة.

كان أبو إياد يقول لي، حين يكون على خلاف مع أبو عمار: أنت الذي رأسته علينا. وحين يقع خلاف كهذا لا أنقطع عن الزيارة اليومية لأبو إياد، وكان يرتاح لهذا الموقف مني. وذات مرة كنت أرافق محمود درويش في زيارة أبو إياد، وكان هناك خلاف مع أبو عمار، وسأله محمود درويش عن أسباب الخلاف، فقال أبو إياد تفاصيل تافهة ثم أضاف: أعضاء القيادة لا يختلفون على الأهداف الكبيرة بل يختلفون على التفاصيل الصغيرة التي يخجل الإنسان من ذكرها. ولأن أبو إياد معروف بقوة الحجة، فكان يستطيع حين يختلف مع أبو عمار أن يشكل جبهة معارضة قوية ضد هذا الموقف أو ذاك لأبو عمار. فأبو إياد كان وراء بيان اللجنة المركزية ضد زيارة أبو عمار للقاهرة، وكذلك بيان اللجنة المركزية ضد الاتفاق الأردني الفلسطيني الذي وقعه أبو عمار مع الملك حسين في شباط 1985.ولكنه لا يدفع الخلاف حد القطيعة، بل حين يحقق تصويب الموقف تعود المياه إلى مجاريها مع أبو عمار. والغريب أن أبو عمار صاحب الذاكرة الحديدية كان سريع النسيان تجاه أي خلاف سواء مع أعضاء القيادة، أو حتى على مستوى الكادر، وكان المبادر دائما لطي صفحة الخلاف وكأن شيئا لم يكن.

قال أبو إياد: ورطتنا ورطة كبيرة بسبب هذه المغامرة التي أقدم عليها صدام حسين في الكويت.

قلت له: في "فتح" نقول دائما لدينا قائد عام وقائد أعلى.

فقال بهدوء: ربك يستر.

وحين جرى التحقيق مع القاتل "حمزة" الذي نفذ جريمة اغتيال أبو إياد وأبو الهول ومسئول الأمن أبو محمد مساء يوم 14/1/1991 في منزل أبو الهول، قال: كنت أنوي قتل جميع أعضاء القيادة، قبل أسبوعين، ولكن فتحي رئيس مرافقي أبو عمار منعني من الدخول، رغم أنني أعمل مرافقا لأبو الهول. وهنا نلاحظ الحرص الأمني عند أبو عمار، فحين يتواجد في أي مكان فإن تعليماته لفتحي أن يتولى حرسه الخاص مسؤولية الأمن، أما الحراسات الأخرى لأعضاء القيادة فتنتظر في الخارج ولا تقوم بأي نشاط في المكان. وقال حمزة في اعترافاته أنه حاول الدخول وهو يحمل رشاش الكلاشنكوف ولكن فتحي كان قاسيا معه ومنعه للمرة الثانية من الدخول في ذلك اليوم الأخير من كانون أول 1990حيث كان جميع أعضاء القيادة يتناولون الغداء في منزل أبو الهول .

كان يمكن أن تقع كارثة كبرى في ذلك اليوم لولا يقظة أبو عمار الدائمة ويقظة حرسه وتحديدا فتحي الذي يرافق أبو عمار على مدى ثلاثين سنة. وفي مساء يوم 8/1/1991 اتصل فتحي وأخبرني أن أكون مستعدا للمغادرة في الصباح الباكر إلى الخرطوم. وفي الخرطوم يوم 9/1/1991 اجتمع أبو عمار مع الرئيس عمر البشير، وكنت الوحيد الذي رافقه في هذه الرحلة. وبعد الخرطوم توجهنا إلى بغداد، وقد لفت انتباهي وأنا أقرأ الأخبار أن مسئولا أمريكيا حذر من أي اعتداء على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ووجه تحذيره للجماعات الإرهابية، ووضعت خطوطا تحت كلمات هذا التصريح الأمريكي وسلمته لأبو عمار الذي أخذ يقرأه أكثر من مرة، ويقول: هذا كلام خطير.وقلت لأبو عمار: ألا يكون لهذا التصريح علاقة بتصريح أبو إياد بأننا نقف إلى جانب العراق في حالة وقوع عدوان أمريكي؟ ناهيك عن تصريحات قادة الفصائل، الذين أعلنوا أن المصالح الأمريكية لن تكون بعيدة عن ضرباتهم في حال الاعتداء على العراق. ورد أبو عمار بقوله: الأمريكيون يأخذون على محمل الجد هذه التصريحات، وخاصة تصريحات أبو إياد.

في ذلك المساء الحزين في بغداد بعد عودتنا من عمان جاءت أخبار الكارثة تباعا. فجريمة الاغتيال وقعت في منزل أبو الهول، حيث دخل القاتل حمزة وهو يحمل رشاش الكلاشنكوف، وأغلق الباب، وتوجه إلى أبو إياد وأبو الهول وأبو محمد وأطلق النار عليهم دون رحمة، واحتجز زوجة أبو الهول وبناته، حتى وصل الأمن التونسي الذي اعتقله. وفيما بعد سلمه للأمن المركزي في "فتح" حيث جرى التحقيق معه وصدر القرار من محكمة أمن الثورة بإعدامه ونفذ فيه حكم الإعدام.

أبو عمار يغلي من الغضب والألم، وكل الترتيبات التي تحدثنا عنها للبقاء في بغداد بعد فشل البقاء في الأردن أصبحت في مهب الريح، وليس أمام أبو عمار إلا المغادرة إلى تونس على وجه السرعة بعد هذه الجريمة التي وجهت ضربة قاتلة لقيادته. ولكن، ماذا يقول للعراقيين الذين يعتبرون وجوده في بغداد - إذا اندلعت الحرب - دعما معنويا لمواقفهم أمام الشعب الفلسطيني والجماهير العربية؟ فأبو عمار يمثل فلسطين. ومن من العرب في مشرق الأرض ومغربها لا يحلم بالساعة التي يرى فيها فلسطين حرة، ويرى القدس ومقدساتها وقد عادت حرة أبية للعرب والمسلمين. وللحقيقة، فإن تأييد الجماهير العربية لصدام حسين لم يكن أبدا لمغامرته باحتلال الكويت، بل كان مصدر هذا التأييد ما أعلنه صدام حسين بأن هدفه تحرير فلسطين، وأن لديه الجيش الكفيل بتحريرها. وعززت هذه الحالة العربية العاطفية الخرافات والأساطير التي لا يصدقها لا عقل ولا عاقل، إلا أنها سيطرت على الرأي العام العربي من المحيط إلى الخليج. وتحدثت كتابات أخرى عن الكلدان والأشوريين وسبي بابل وتدمير الهيكل. وما دام هؤلاء أصلهم من العراق فان صدام وريثهم، ويقوم بالعمل نفسه ويحرر فلسطين ويقضي على إسرائيل، ناهيك عن الحديث الهامس في أوساط المسئولين العراقيين عن "الجمرة الخبيثة "وأن إسرائيل ستكفي قنبلة واحدة لتدميرها وتشريد سكانها. وتضيف هذه الأوساط أن صدام، مقابل تحرير فلسطين، لن يضيره أن يخسر ثلاثة ملايين عراقي. والذي يعطي هذه الأقوال والخرافات والادعاءات برهانا على صحتها هو وجود أبو عمار إلى جانب صدام حسين في بغداد. والعدوان الأمريكي الوشيك هو في هذه الحالة عدوان على العراق وعلى فلسطين. وما يدريك؟ فقد تثور الجماهير العربية كلها من أجل هذا الأمل الذي يجسده صدام حسين الذي يتحدث علنا عن تحرير فلسطين، والذي ربط بين الانسحاب من الكويت والانسحاب الإسرائيلي من فلسطين.

على أية حال، كل هذه الترتيبات لبقاء أبو عمار في بغداد انتهت بعد أن أصيبت قيادته وحركته بهذه الضربة التي جعلت قيادته موضع شك أمام العالم. وصل طارق عزيز إلى مقر أبو عمار بعد منتصف الليل، وهو الأكثر اتزانا وواقعية من بين الذين يحيطون بصدام. وقدم التعازي لأبو عمار، وقال: أخي أبو عمار أبلغك تعازي الرئيس صدام وهو يرجوك أن تغادر إلى تونس، ولا يستطيع أحد غيرك احتواء هذه الضربة القاسية، وتفويت الفرصة على المتآمرين الذين أرادوا من ورائها القضاء على المنظمة بسبب مواقفها القومية، والرئيس صدام يعتبر هذه الضربة موجهة ضد العراق في هذه المعركة المصيرية والتي هدفها في نهاية المطاف تحرير فلسطين واستعادة الكرامة العربية المستباحة، والرئيس صدام أصدر تعليماته لعودتك إلى تونس غدا صباحا، وهو على ثقة أنك سواء بقيت معنا هنا في بغداد أو اضطررت للعودة إلى تونس، فإن معركة العراق هي معركتك.

واستدعى طارق عزيز العقيد عصام المسئول عن إدارة شؤوننا في بغداد، وأمره بعمل الترتيبات لضمان أن يغادر أبو عمار صباحا إلى تونس، وفي الوقت نفسه بدأ عزام الأحمد اتصالاته مع سفرائنا لتأمين طريق جوي لمرور الطائرة الأخيرة التي تغادر بغداد. وبصعوبة أجبرنا أبو عمار أن يصعد إلى غرفته حتى يرتاح لساعتين أو ثلاثة، أما نحن العاملين معه فقد بقينا طوال هذه الساعات نتابع الكارثة في تونس والتفاصيل تزيدنا حقدا ومرارة.

ولم تصل الموافقات على مرور الطائرة إلا بعد الظهر. وحضر العقيد عصام وعزام الأحمد وقالا إن كل شيء جاهز للمغادرة، عبر تركيا واليونان وإيطاليا. وقال العقيد عصام لأبو عمار: لن ينسى العراق وقفتكم إلى جانبه في وجه هذه المؤامرة الدولية. وحين تحرك الموكب إلى المطار كانت بغداد صامتة، والشوارع خالية تماما. فالوسطاء غادروا جميعا وآخرهم كان رئيس نيكاراغوا السابق مانويل اورتيغا، والزعيم الأمريكي جيسي جاكسون، ووزير العدل الأمريكي الأسبق رمزي كلارك، والأمين العام للأمم المتحدة ديكويلار. وفرغت فنادق بغداد من القادمين لتأييد صدام حسين. أما فندق الرشيد فقد حوله "بيتر ارندت "مراسل "CNN" إلى محطة تلفزيون. كل شيء يوحي بأن الحرب واقعة لا محالة. إلا أنني وأنا أصعد مع أبو عمار إلى الطائرة في هذه اللحظة الحزينة قلت في نفسي بأننا لن نعود بعد الآن إلى بغداد. فالأمريكيون بعد صورة صدام على غلاف مجلة "نيوز ويك" وهو يحمل "الصاعق "في يده وتحته هذه العبارة "الفارس الأسود في العراق "قد قرروا القضاء عليه وعلى العراق، وكانوا ينتظرون وقوعه في شرك الكويت حتى يوجهوا له الضربة القاضية.

ومن الغريب أنني تذكرت ثورة رشيد عالي الكيلاني في عام 1941 ووجود المفتي إلى جانبه، وهذا كان قبل خمسين عاما، وحين تحرك الإنكليز للقضاء على الثورة غادر المفتي الحاج أمين الحسيني بغداد إلى طهران ومنها إلى إيطاليا. أما أبو عمار فهو يغادر بغداد في اللحظة التي يحشد فيها الأمريكيون نصف مليون جندي للقضاء على صدام والعراق. فهذه البحيرة النفطية في قوس الأزمات لا يسمح الغرب بظهور قوة مستقلة فيها خارج سيطرته.

ويبقى السؤال الذي لا جواب عليه إلى الأبد : كيف تمكنت المخابرات الأمريكية من اختراق جماعة أبو نضال، وتجنيد القاتل حمزة ليقوم باغتيال أبو إياد وأبو الهول وأبو محمد قبل 48 ساعة من الهجوم الأمريكي على الكويت والعراق؟ وأين أصبح الآن مسجل لقاءات صدام حسين الذي نقل للمخابرات المركزية ما جرى بين أبو إياد وصدام حسين. فأوعزت للقاتل حمزة بتنفيذ جريمته؟


0 التعليقات:

إرسال تعليق

فلسطيني وأفتخر

فلسطيني وأفتخر