صامد للأنباء -
شهادة المرافقين يوم حادث السقوط ولماذا كان يضع الشهيد مصباحاً يدوياً "لوكس " دائماً في إحدى حقائبه
ذلك الوقت القائد الرمز طلب الاستعداد لـ"الصمود" طويلا...
قصة لها مكانتها ووضعها في تاريخ القضية الفلسطينية وفي تاريخ الشهيد الرمز ياسر عرفات وهي هبوط طائرة السيد الرئيس ياسر عرفات اضطراريا في صحراء ليبيا .......
وهذه نبذه عن هذه الحادثة
يرويها:الأخ المناضل عماد محمد فهمي زكي ندى "أبو زكي" مرافق الرئيس الشهيد القائد الرمز ياسرعرفات
كان سيادة الرئيس ياسرعرفات رحمه الله في زيارة إلى السودان والتقى الرئيس السوداني وكان البرنامج معداً للمغادرة في نفس اليوم.
تحركنا إلى المطار وتم تجهيز الطائرة عند عصر ذلك اليوم، وكانت الطائرة من نوع أنطونوف، وهي طائرة جيدة وآمنة .كان الكابتن محمد درويش وغسان إسماعيل ومهندس روماني واثنان من المهندسين الفلسطينيين علي غزلان وخليل الجمل في الطائرة، قال الكابتن درويش : الأجواء سيئة في صحراء السودان في هذا الوقت من السنة، و أتمنى أن يأتي الرئيس باكراً قبل أن يزداد سوء االحالة الجوية أكثر.
وصل الرئيس إلى الطائرة قبل الغروب بقليل ، أقلعت الطائرة بعد صعود الرئيس، وكانت الوجهة الى الكفرة في صحراء ليبيا للنزول هناك والتزود بالوقود لمواصلة الرحلة بعد ذلك الى مقر المنظمة في تونس .
عند الوصول إلى مطار الكفرة هبت زوابع رملية قوية جداً فوق المطار، ولم نتمكن من رؤية المطار، وأخذ الطيار يدور بالطائرة حول المطار، وكان يطلع الرئيس ياسر عرفات على الأحوال أولاً بأول، وبقيت الطائرة تدور حول المطار لمدة ربع ساعة تقريباً لم يتمكن خلالها الطيار من رؤية المدرج والمطار بسبب الزوابع الرملية، وسأل الرئيس أين أقرب مطار فقالوا له يوجد مطار عسكري في "السارة" .... وهو مطار نهاري وأن طائرة تهبط فيه كل يوم ثلاثاء في كل أسبوع لاحضار التموين للقوات الفلسطينية التي كانت موجودة في معسكر هناك، والمطار معد فقط لاستقبال طائرات عسكرية وفي النهار فقط ولا توجد فيه إنارة.
فقال الرئيس عرفات للطيار: توكل على الله وتوجه إلى مطار السارة وكان الطيار على اتصال مع برج المراقبة في مطار الكفرةالليبي، وأطلعهم على عزمه التوجه إلى "السارة"، لكن لسوء الحظ وصلنا منطقة "السارة" وقد حل الظلام وكانت الزوابع الرملية قد وصلت المنطقة ،ولم تكن هناك إمكانية لرؤيةالأرض... كان الطياران على اتصال مع برج المراقبة في المطار واستعدا للقيام بعملية هبوط اضطراري وأعلمانا بذلك.
تفاصيل في داخل الطائرة وهنا أشير إلى أن الطائرة تتسع لنحو 50 راكباً، في المقدمة كابينة الطيارين، وخلفها قسم للحقائب والعفش، ثم قسم الركاب وفي ذيل الطائرة في نهايتها كان جناح الرئيس ,ويضم مكتبا،هوعبارة عن طاولة تحيط بها أربعة كراسي ،وعلى يمينها سرير خشبي وحمام صغير "تواليت" في الخلف وبعض الاحتياجات والأدوات اللازمة للطائرة للصيانة.
كان الكابتن قد طلب من جميع المتواجدين الجلوس قرب الشبابيك لمساعدته إن لمح أي منا اي ضوء لإخباره،وكان المهندسان الفلسطينيان يتنقلان بين الطيارين والمرافقين وكان سكرتير الرئيس ماهر مشيعل يتنقل بين الرئيس والطيارين.
وكان كابتن الطائرة قد طلب من برجا مراقبة في مطار السارة وضع سيارات وإشعال أضوائها حول مدرج المطار للمساعدة على رؤيته ولكن الزوبعة الرملية كانت شديدة جداً ولم تتح رؤية شيء، وقد أخبرنا في وقت لاحق بأن المنطقة لم تشهد مثيلاً لتلك الزوبعة الرملية منذ نحو 50 سنة، وحتى على الأرض اخبرونا في وقت لاحق بأنهم لم يكونوا قادرين على الرؤية لأبعد من مسافة أمتار قليلة.
وأخبرنا المهندس خليل الجمل بأننا بدأنا عملية الهبوط الاضطراري وأننا نقترب من سطح الأرض، وطلب منا ربط أحزمة الأمان.
كان الرئيس جالساً في مقعده، وكان يجلس بجانبه الأخ فتحي البحرية.
كنت جالساً في أول كرسي من الجهة اليمنى بعد جناح الرئيس وقرب باب الطوارئ، وقال لي المهندس خليل أنه في حال الهبوط الاضطراري ، واذا تضررت الطائرة، عليك أن تفتح باب الطوارئ وترميه خارجاًوأن تقوم بإنزال الرئيس فوراً منه.
سقطنا...أين اختفى الرئيس ؟
وفي تلك اللحظة ـ وكان المهندس واقفاً قرب الشباك ـ لمحت غباراً أو رمالاً متطايرة، وأردت أن أتكلم لكن في نفس تلك اللحظة اصطدمنا بالأرض وكانت الصدمات قوية جداً، وضرب رأسي بزجاج الشباك، اصطدمت الطائرة بالأرض، وابتعدت مسافة... بعد توقف الطائرة فتحت باب الطوارئ ورميته كما طلب مني المهندس خليل، وعدت إلى جناح الرئيس وتفاجأت بأن كرسي الرئيس نفسه لم يكن موجوداً واستغربت... أين ذهب؟ رغم وجود قاطع خشبي يفصل جناح الرئيس عن قسم الركاب، قفزت من الشباك (باب الطوارئ) ووجدت كرسيين مقلوبين خارج الطائرة، وفيهما حركة، وجدت الرئيس وفتحي البحرية وكانا قد ربطا حزامي الأمان في الكرسيين، ولا أدري أية معجزة قذفت بالكرسيين بهذا الشكل خارج الطائرة، وكانت النارقد بدأت تشتعل في مقدمة الطائرة من جهة اليسار، جهة الكابتن.
وخشية حدوث انفجار قمت وآخرين بحمل الرئيس وركضنا مبتعدين عن الطائرة، جاء الأخ عبد الرحيم حسين مرافق الرئيس ومحمد الرواس مصور الرئيس، وقلت لعبد الرحيم هيا بنا لنقوم بإطفاء النيران في الطائرة، وقلنا للأخ فتحي أن يبقى مع الرئيس وذهبنا .....إلى الطائرة لمكافحة النيران ومحاولة إطفائها.
كان الحريق صغيراً ولم يكن هناك وقود كثير في الطائرة، سيطرنا على الحريق وأطفأنا النار، وكنا قد أبعدنا الرئيس نحو 50 متراً عن الجهة اليمنى للطائرة.
في تلك اللحظة خرج الإخوان الذين كانوا في الطائرة، كان الكابتن غسان إسماعيل ومحمد درويش والمهندس الروماني أحياء لكنهم كانوا مصابين يتألمون وغير قادرين على الكلام، وكان في الكابينة أيضاً ماهر مشيعل وعلي غزلان.
بعد إطفاء النيران توجهنا إلى الرئيس، ووجدنا الأخ خلدون (من المرافقين) الذي توفي فيما بعد وكان أيضاً احمد جميل عنده.
خفت الزوبعة الرملية لفترة قصيرة وأمر الرئيس بتفقد أحوال الجميع كانت الحقائب متناثرة حول الطائرة ولاحظنا وجود فتحة كبيرة في الجهة اليمنى من الطائرة، بعد منطقة باب الطوارئ.
وطلب الرئيس أن يتجمع كل من كان على الطائرة في موقع واضح، وأن نتوجه إلى الطائرة للاحتماء من الزوبعة المتجددة، حاولنا فتح الباب الذي كان يستخدمه الرئيس للصعود والنزول من الطائرة، لم يفتح ،وقال المهندس خليل أن هناك باباً آخراً في ذيل الطائرة للصيانة، ودخلنا من الفتحة الجانبية في يمين الطائرة وقمنا بإنزال العجلات والأدوات والأغراض التي كانت موجودة في منطقة ذيل الطائرة،وفتحنا باب الصيانة لإدخال الرئيس، وفعلاً دخل الرئيس وبقية الشباب، وكانت العواصفالرملية قد بدأت بالاشتداد مجدداً، تذكرت حقائب الرئيس ووجدتها وحملتها وعدت إلى الطائرة، ولدى عودتي لم أرى الطائرة بسبب شدة الزوابع وكثافتها، مع أن المسافة لم تكن أكثر من 20 متراً.ومشيت ببطئ وهدوء محاولاً عدم الانحراف حتى لا أضيع وأجد نفسي وسط الصحراء بعيداً عن الطائرة، ثم لمحت الطائرة وصعدت إليها مع حقائب الرئيس
" لوكس" الرئيس .....
كان الرئيس يضع دائماً في إحدى حقائبه مصباحاً يدوياً "لوكس" وكان أيضاً في جيبه مصباح يدوي صغير آخر.
كانت الاتصالات قدانقطعت وتعطلت الأجهزة، استشهد الكابتن غسان إسماعيل، وكان ماهر مشيعل وعلي غزلان مصابين ولكنهما كانا قادرين على الكلام ،وكان محمد درويش يتألم ولا يستطيع التحدث،حاولت مع الأخ عبد الرحيم سحبه من الكابينة، كانت إصابته صعبة جداً، كان جسمه عالقاً، ولم نكن نرى كل شيء فكنا كلما سحبناه قليلاً من موقعه في الكابينة المتحطمة زاد ألمه كانت الكابينة قد أطبقت على الموجودين داخلها ولم يكن بالإمكان إخراج أي إنسان منها، كان جهاد الغول أيضاً عالقاً بين الكراسي في منطقة وسط الطائرة، حاولنا إخراجه ولم نستطع.
وكان الرئيس يحمل أيضاً في حقيبته أدوية ومواد إسعاف أولي، وكان في الطائرة حقيبة إسعاف أولي، كانت الإصابات بين الموجودين متفاوتة.
تفقد الرئيس الشباب واطلع على إصابة كل واحد منهم، كان الرئيس مصاباً بجرح في رأسه، ولم يكن جرحه ينزف، واصيب ايضا محمد الرواس و فتحي البحرية وخليل الجمل وخلدون وأحمد جميل.
أخف الإصابات كانت إصابة الرئيس ياسر عرفات واصابات عبد الرحيم ولي وفتحي الليبي (غير فتحي البحرية) ..وكنا نتحرك نحاول المساعدة.
الرئيس يطلب الاستعداد لـ"الصمود" طويلا...
كان حادث السقوط قد وقع نحو الساعة 45,7مساء 1992. وبقينا في نفس الموقع حتى الساعة التاسعة والنصف صباح اليوم التالي .وخلال الليل وساعات الفجر الاولى جلسنا جميعاً في ذيل الطائرة، سألني الرئيس عن المتوفر من ماء وطعام وإمكانيات البقاء لأطول فترة ممكنة،وكان الموجود أجبان وألبان وبعض الفواكه والماء والعصير، وطلب تجميع ذلك كله فيمنطقة واحدة لحصره والاستفادة منه للجميع لأطول فترة ممكنة، ووجه الجميع لترشيداستخدام الماء.
وتحدث الرئيس عن البدء بالتفكير في إمكانيات البقاء لأطولفترة ممكنة لأننا سقطنا في الصحراء، وقال انه قد لا يتم العثور علينا بسرعة، وانالوضع ليس سهلاً.لكنه كان دائما يقول لنا : يجب أن نكون أقوى مما نحنفيه.
كان الرواس قد تذكر أن طائرة نقل عسكرية تهبط كل ثلاثاء في مطار السارة محملة بالمؤن للقوات الفلسطينية الموجودة في معسكر خاص بها في السارة.وكان "سقوطنا" قد حدث مساء يوم الاثنين.
فقال الرئيس: في الصباح يجب إشعال النيران في العجلات الإضافية الموجودة في الطائرة لمساعدة الباحثين عنا.
كان الرئيس متأكداً بأن عمليات البحث جارية، وأراد المساعدة بإشعال الإطارات لأن العاصفة الرملية لم تكن قد هدأت، وكانت الرؤية ما تزال محدودة.
وبقينا نتحدث معالرئيس حتى الصباح... وعند طلوع الفجر خفت حدة الهواء والرياح رغم استمرار البردالقارس، وأخرجنا عجلين، ووضعنا في داخلهما أوراق مما تبعثر حول الطائرة وأحضرنا الخشب المتوافر من الطائرة ،واستخدمنا زيوتاً من المتوفرة في الطائرة ،وأشعلناالنيران في العجلين عند الساعة السادسة صباحاً تقريباً.
ثم هبت رياح قويةأدت إلى الإسراع في اشتعال العجلين ثم في اخماد نيرانهما.
قال الرئيس: يجبأن نفكر في كيفية البقاء في هذه الصحراء، وكان قد أشار إلى أنه لمح عصفوراً فيالمنطقة، وقال : إذا كان العصفور موجوداً فإن ذلك يعني وجود حياة أن الماء موجودأيضاً، وأنه لا بد أن نفكر في كيفية الحفر للوصول إلى الماء.
بعد بزوغ الفجروتحسن الرؤية بعد طلوع الشمس أخرجنا جهاد الغول من بين الحديد والكراسي وكان محمددرويش قد استشهد مع الفجر تقريباً.
تعاونت مع عبد الرحيم في عمل مظلة للرئيسعند باب الطائرة في الخارج وجلس الرئيس في ظلالها ووضعنا الكراسي.
ثم تمكنامن إخراج صندوق العدة من منطقة ذيل الطائرة ووجدنا "عتلة حديدية" ومطرقة وبعضالأدوات التي يمكن استخدامها لاخراج المحشورين داخل الكابينة.
كان الخمسة فيداخل كابينة القيادة فوق بعضهم البعض، راينا في مقدمتهم " من جهتنا" المهندس عليغزلان ثم ماهر مشيعل وهو بدين، فتحنا فتحة في قمرة القيادة وبدأنا بإخراج عليغزلان، لمح الشباب في ذلك الوقت نقاط سوداء بعيدة، وقال الرئيس يبدو أن هناك من هوقادم باتجاهنا، وبدأت النقاط السوداء تكبر شيئاً فشيئاً، ثم اقتربت لتظهر من بعيدمجموعة من السيارات، جهز الرئيس مسدسه، وأخذ الجميع وضعية الاستعداد للقتال، ثماتضح لنا ان القادمين ليسوا "أعداء" وإنما كانوا من قوات الثورة الفلسطينية، وكانالعقيد خالد سلطان قائد القوات الفلسطينية في معسكر السارة على رأس المجموعة ومعهاثنين من الدلالين الليبيين، وهما من الخبراء في الصحراء وفي مواقعها وفي كيفية التنقل فيها، كان هناك نحو 10 سيارات جيب عسكرية (لاند روفر)، وفور وصولهم قامالعقيد خالد سلطان بتهنئة الرئيس بالسلامة ودعاه للصعود إلى إحدى السيارات، لكنالرئيس قال: لا... اذهبوا واخرجوا جثامين الشهداء... واجمعوا كل ما هو موجود داخلوحول الطائرة، وكذلك الصندوق الأسود، وبعد ذلك سنتوجه إلى المعسكر.
وفعلاً بعد تجميع كل "الموجودات" ونقل الجثث إلى السيارات توجهنا نحو معسكر السارة الذيكان يبعد 140 كيلو متراً عن موقع سقوط الطائرة.
كان الدلالان الليبيان قد وضعا علامات في طريق مجيئهم نحو الطائرة حتى تستخدم نفس الطريق في العودة خشية الوقوع في حقول الألغام التي كانت موجودة في تلك الصحراء الحدودية.
وصلنا معسكر السارة وكانت سيارات الإسعاف تنتظر، ومن هناك اتصل الرئيس مع الأخ فاروق القدومي ـ وكان اعضاء القيادة مجتمعين في تونس يتابعون التقارير عن اختفاء طائرة الرئيس - وطمأنه على وضعه، وبعد ذلك وصلت طائرة إسعافات عسكرية خاصة، وقاموا بتحميلالرئيس على حمالة إسعاف رغم أنه كان قادراً على السير. وصعدنا جميعاً إلى الطائرةالتي توجهت إلى بنغازي، وبعدها نقل الرئيس والآخرون إلى المستشفى.
وجاءالرئيس معمر القذافي مساء ذلك اليوم وزاره للاطمئنان على صحته، وفي اليوم التاليخرجنا من المستشفى وتوجهنا بمعية الرئيس إلى قصر الضيافة في بنغازي، وكان الرئيسالتونسي زين العابدين بن علي قد أخبر الرئيس بأنه يريد إعداد استقبال رسمي وشعبيله، لذلك تأجلت عودتنا إلى تونس مدة يوم.
وتوجهنا مع الرئيس بطائرة ليبية إلى تونس حيث لقي استقبالاً رسمياً وشعبياً حاشداً يتقدمه الرئيس التونسي في مطار قرطاج.
واستشهد ثلاثة فقط ممن كانوا على متن الطائرةوهم: الطياران محمد درويش وغسان إسماعيل والمهندس الروماني.
المنطقة التيانقطع الاتصال فيها تسمى "وادي جفف الصغير" وقد حددها الدلالان على الخريطة بعدتحديد زمن انقطاع الاتصال وتقدير الأبعاد.
وكانت فرق البحث تتقدم من منطقة معسكر السارة باتجاه "وادي جفف الصغير"، وكانوا يستخدمون المناظير المكبرة في عملمسح متتالي للمناطق التي يمرون منها حتى لمحوا "نقطة سوداء"، تأكدوا بعدها أنهاطائرة الرئيس فتقدموا نحوها.
أثناء عودتنا من موقع السقوط نحو معسكر السارة لاحظت طائرات مروحية وأيضاً سيارات يبدو أنها كانت تبحث عنا.
اعتبره حادثاً عادياً، ولكن الحمد لله أن نجونا، فقد كان الرئيس معرضاً باستمرار لعدة حوادث وكثيراً ما حدثت أعطال في "طائرة الرئيس" في الجو، وأحياناً كنا نجابه رياحاً قوية ومطبات هوائية ، ولكن لم"نلامس الموت" الا في حادث سقوط الطائرة في الصحراءالليبية.
رباطة جأش وهدوء في مواجهة الصعاب كان الرئيس هادئاً جداًبعد أن عثرت عليه في خارج الطائرة، وبعد ان ساعدناه على الوقوف بدا يتحرك فورا واخذ يسعف بيده ويتفقد الجميع ولا يمل من مواصلة الاطمئنان على الجميع.
ومن الغريب أن الرئيس استدعى الطيارين غسان إسماعيل ومحمد درويش قبل سفرنا من تونس إلى السودان، وتصورا معه صوراً تذكارية، وكتب بخطه كلمات عن الشهيدين على تلك الصور التذكارية بعد الحادث.
واثناء الحادث وبعده لم يخطر ببال الرئيس أبداًاحتمال ترك وصية أو الحديث كأنه قد يموت في تلك الحادثة ،وكان وكنا نحمد الله أننا نجونا من موت محقق.
هذا ما تحدث به الحارس الخاص لفخامة الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات(ابوعمار)...
شهادة المرافقين يوم حادث السقوط ولماذا كان يضع الشهيد مصباحاً يدوياً "لوكس " دائماً في إحدى حقائبه
ذلك الوقت القائد الرمز طلب الاستعداد لـ"الصمود" طويلا...
قصة لها مكانتها ووضعها في تاريخ القضية الفلسطينية وفي تاريخ الشهيد الرمز ياسر عرفات وهي هبوط طائرة السيد الرئيس ياسر عرفات اضطراريا في صحراء ليبيا .......
وهذه نبذه عن هذه الحادثة
يرويها:الأخ المناضل عماد محمد فهمي زكي ندى "أبو زكي" مرافق الرئيس الشهيد القائد الرمز ياسرعرفات
كان سيادة الرئيس ياسرعرفات رحمه الله في زيارة إلى السودان والتقى الرئيس السوداني وكان البرنامج معداً للمغادرة في نفس اليوم.
تحركنا إلى المطار وتم تجهيز الطائرة عند عصر ذلك اليوم، وكانت الطائرة من نوع أنطونوف، وهي طائرة جيدة وآمنة .كان الكابتن محمد درويش وغسان إسماعيل ومهندس روماني واثنان من المهندسين الفلسطينيين علي غزلان وخليل الجمل في الطائرة، قال الكابتن درويش : الأجواء سيئة في صحراء السودان في هذا الوقت من السنة، و أتمنى أن يأتي الرئيس باكراً قبل أن يزداد سوء االحالة الجوية أكثر.
وصل الرئيس إلى الطائرة قبل الغروب بقليل ، أقلعت الطائرة بعد صعود الرئيس، وكانت الوجهة الى الكفرة في صحراء ليبيا للنزول هناك والتزود بالوقود لمواصلة الرحلة بعد ذلك الى مقر المنظمة في تونس .
عند الوصول إلى مطار الكفرة هبت زوابع رملية قوية جداً فوق المطار، ولم نتمكن من رؤية المطار، وأخذ الطيار يدور بالطائرة حول المطار، وكان يطلع الرئيس ياسر عرفات على الأحوال أولاً بأول، وبقيت الطائرة تدور حول المطار لمدة ربع ساعة تقريباً لم يتمكن خلالها الطيار من رؤية المدرج والمطار بسبب الزوابع الرملية، وسأل الرئيس أين أقرب مطار فقالوا له يوجد مطار عسكري في "السارة" .... وهو مطار نهاري وأن طائرة تهبط فيه كل يوم ثلاثاء في كل أسبوع لاحضار التموين للقوات الفلسطينية التي كانت موجودة في معسكر هناك، والمطار معد فقط لاستقبال طائرات عسكرية وفي النهار فقط ولا توجد فيه إنارة.
فقال الرئيس عرفات للطيار: توكل على الله وتوجه إلى مطار السارة وكان الطيار على اتصال مع برج المراقبة في مطار الكفرةالليبي، وأطلعهم على عزمه التوجه إلى "السارة"، لكن لسوء الحظ وصلنا منطقة "السارة" وقد حل الظلام وكانت الزوابع الرملية قد وصلت المنطقة ،ولم تكن هناك إمكانية لرؤيةالأرض... كان الطياران على اتصال مع برج المراقبة في المطار واستعدا للقيام بعملية هبوط اضطراري وأعلمانا بذلك.
تفاصيل في داخل الطائرة وهنا أشير إلى أن الطائرة تتسع لنحو 50 راكباً، في المقدمة كابينة الطيارين، وخلفها قسم للحقائب والعفش، ثم قسم الركاب وفي ذيل الطائرة في نهايتها كان جناح الرئيس ,ويضم مكتبا،هوعبارة عن طاولة تحيط بها أربعة كراسي ،وعلى يمينها سرير خشبي وحمام صغير "تواليت" في الخلف وبعض الاحتياجات والأدوات اللازمة للطائرة للصيانة.
كان الكابتن قد طلب من جميع المتواجدين الجلوس قرب الشبابيك لمساعدته إن لمح أي منا اي ضوء لإخباره،وكان المهندسان الفلسطينيان يتنقلان بين الطيارين والمرافقين وكان سكرتير الرئيس ماهر مشيعل يتنقل بين الرئيس والطيارين.
وكان كابتن الطائرة قد طلب من برجا مراقبة في مطار السارة وضع سيارات وإشعال أضوائها حول مدرج المطار للمساعدة على رؤيته ولكن الزوبعة الرملية كانت شديدة جداً ولم تتح رؤية شيء، وقد أخبرنا في وقت لاحق بأن المنطقة لم تشهد مثيلاً لتلك الزوبعة الرملية منذ نحو 50 سنة، وحتى على الأرض اخبرونا في وقت لاحق بأنهم لم يكونوا قادرين على الرؤية لأبعد من مسافة أمتار قليلة.
وأخبرنا المهندس خليل الجمل بأننا بدأنا عملية الهبوط الاضطراري وأننا نقترب من سطح الأرض، وطلب منا ربط أحزمة الأمان.
كان الرئيس جالساً في مقعده، وكان يجلس بجانبه الأخ فتحي البحرية.
كنت جالساً في أول كرسي من الجهة اليمنى بعد جناح الرئيس وقرب باب الطوارئ، وقال لي المهندس خليل أنه في حال الهبوط الاضطراري ، واذا تضررت الطائرة، عليك أن تفتح باب الطوارئ وترميه خارجاًوأن تقوم بإنزال الرئيس فوراً منه.
سقطنا...أين اختفى الرئيس ؟
وفي تلك اللحظة ـ وكان المهندس واقفاً قرب الشباك ـ لمحت غباراً أو رمالاً متطايرة، وأردت أن أتكلم لكن في نفس تلك اللحظة اصطدمنا بالأرض وكانت الصدمات قوية جداً، وضرب رأسي بزجاج الشباك، اصطدمت الطائرة بالأرض، وابتعدت مسافة... بعد توقف الطائرة فتحت باب الطوارئ ورميته كما طلب مني المهندس خليل، وعدت إلى جناح الرئيس وتفاجأت بأن كرسي الرئيس نفسه لم يكن موجوداً واستغربت... أين ذهب؟ رغم وجود قاطع خشبي يفصل جناح الرئيس عن قسم الركاب، قفزت من الشباك (باب الطوارئ) ووجدت كرسيين مقلوبين خارج الطائرة، وفيهما حركة، وجدت الرئيس وفتحي البحرية وكانا قد ربطا حزامي الأمان في الكرسيين، ولا أدري أية معجزة قذفت بالكرسيين بهذا الشكل خارج الطائرة، وكانت النارقد بدأت تشتعل في مقدمة الطائرة من جهة اليسار، جهة الكابتن.
وخشية حدوث انفجار قمت وآخرين بحمل الرئيس وركضنا مبتعدين عن الطائرة، جاء الأخ عبد الرحيم حسين مرافق الرئيس ومحمد الرواس مصور الرئيس، وقلت لعبد الرحيم هيا بنا لنقوم بإطفاء النيران في الطائرة، وقلنا للأخ فتحي أن يبقى مع الرئيس وذهبنا .....إلى الطائرة لمكافحة النيران ومحاولة إطفائها.
كان الحريق صغيراً ولم يكن هناك وقود كثير في الطائرة، سيطرنا على الحريق وأطفأنا النار، وكنا قد أبعدنا الرئيس نحو 50 متراً عن الجهة اليمنى للطائرة.
في تلك اللحظة خرج الإخوان الذين كانوا في الطائرة، كان الكابتن غسان إسماعيل ومحمد درويش والمهندس الروماني أحياء لكنهم كانوا مصابين يتألمون وغير قادرين على الكلام، وكان في الكابينة أيضاً ماهر مشيعل وعلي غزلان.
بعد إطفاء النيران توجهنا إلى الرئيس، ووجدنا الأخ خلدون (من المرافقين) الذي توفي فيما بعد وكان أيضاً احمد جميل عنده.
خفت الزوبعة الرملية لفترة قصيرة وأمر الرئيس بتفقد أحوال الجميع كانت الحقائب متناثرة حول الطائرة ولاحظنا وجود فتحة كبيرة في الجهة اليمنى من الطائرة، بعد منطقة باب الطوارئ.
وطلب الرئيس أن يتجمع كل من كان على الطائرة في موقع واضح، وأن نتوجه إلى الطائرة للاحتماء من الزوبعة المتجددة، حاولنا فتح الباب الذي كان يستخدمه الرئيس للصعود والنزول من الطائرة، لم يفتح ،وقال المهندس خليل أن هناك باباً آخراً في ذيل الطائرة للصيانة، ودخلنا من الفتحة الجانبية في يمين الطائرة وقمنا بإنزال العجلات والأدوات والأغراض التي كانت موجودة في منطقة ذيل الطائرة،وفتحنا باب الصيانة لإدخال الرئيس، وفعلاً دخل الرئيس وبقية الشباب، وكانت العواصفالرملية قد بدأت بالاشتداد مجدداً، تذكرت حقائب الرئيس ووجدتها وحملتها وعدت إلى الطائرة، ولدى عودتي لم أرى الطائرة بسبب شدة الزوابع وكثافتها، مع أن المسافة لم تكن أكثر من 20 متراً.ومشيت ببطئ وهدوء محاولاً عدم الانحراف حتى لا أضيع وأجد نفسي وسط الصحراء بعيداً عن الطائرة، ثم لمحت الطائرة وصعدت إليها مع حقائب الرئيس
" لوكس" الرئيس .....
كان الرئيس يضع دائماً في إحدى حقائبه مصباحاً يدوياً "لوكس" وكان أيضاً في جيبه مصباح يدوي صغير آخر.
كانت الاتصالات قدانقطعت وتعطلت الأجهزة، استشهد الكابتن غسان إسماعيل، وكان ماهر مشيعل وعلي غزلان مصابين ولكنهما كانا قادرين على الكلام ،وكان محمد درويش يتألم ولا يستطيع التحدث،حاولت مع الأخ عبد الرحيم سحبه من الكابينة، كانت إصابته صعبة جداً، كان جسمه عالقاً، ولم نكن نرى كل شيء فكنا كلما سحبناه قليلاً من موقعه في الكابينة المتحطمة زاد ألمه كانت الكابينة قد أطبقت على الموجودين داخلها ولم يكن بالإمكان إخراج أي إنسان منها، كان جهاد الغول أيضاً عالقاً بين الكراسي في منطقة وسط الطائرة، حاولنا إخراجه ولم نستطع.
وكان الرئيس يحمل أيضاً في حقيبته أدوية ومواد إسعاف أولي، وكان في الطائرة حقيبة إسعاف أولي، كانت الإصابات بين الموجودين متفاوتة.
تفقد الرئيس الشباب واطلع على إصابة كل واحد منهم، كان الرئيس مصاباً بجرح في رأسه، ولم يكن جرحه ينزف، واصيب ايضا محمد الرواس و فتحي البحرية وخليل الجمل وخلدون وأحمد جميل.
أخف الإصابات كانت إصابة الرئيس ياسر عرفات واصابات عبد الرحيم ولي وفتحي الليبي (غير فتحي البحرية) ..وكنا نتحرك نحاول المساعدة.
الرئيس يطلب الاستعداد لـ"الصمود" طويلا...
كان حادث السقوط قد وقع نحو الساعة 45,7مساء 1992. وبقينا في نفس الموقع حتى الساعة التاسعة والنصف صباح اليوم التالي .وخلال الليل وساعات الفجر الاولى جلسنا جميعاً في ذيل الطائرة، سألني الرئيس عن المتوفر من ماء وطعام وإمكانيات البقاء لأطول فترة ممكنة،وكان الموجود أجبان وألبان وبعض الفواكه والماء والعصير، وطلب تجميع ذلك كله فيمنطقة واحدة لحصره والاستفادة منه للجميع لأطول فترة ممكنة، ووجه الجميع لترشيداستخدام الماء.
وتحدث الرئيس عن البدء بالتفكير في إمكانيات البقاء لأطولفترة ممكنة لأننا سقطنا في الصحراء، وقال انه قد لا يتم العثور علينا بسرعة، وانالوضع ليس سهلاً.لكنه كان دائما يقول لنا : يجب أن نكون أقوى مما نحنفيه.
كان الرواس قد تذكر أن طائرة نقل عسكرية تهبط كل ثلاثاء في مطار السارة محملة بالمؤن للقوات الفلسطينية الموجودة في معسكر خاص بها في السارة.وكان "سقوطنا" قد حدث مساء يوم الاثنين.
فقال الرئيس: في الصباح يجب إشعال النيران في العجلات الإضافية الموجودة في الطائرة لمساعدة الباحثين عنا.
كان الرئيس متأكداً بأن عمليات البحث جارية، وأراد المساعدة بإشعال الإطارات لأن العاصفة الرملية لم تكن قد هدأت، وكانت الرؤية ما تزال محدودة.
وبقينا نتحدث معالرئيس حتى الصباح... وعند طلوع الفجر خفت حدة الهواء والرياح رغم استمرار البردالقارس، وأخرجنا عجلين، ووضعنا في داخلهما أوراق مما تبعثر حول الطائرة وأحضرنا الخشب المتوافر من الطائرة ،واستخدمنا زيوتاً من المتوفرة في الطائرة ،وأشعلناالنيران في العجلين عند الساعة السادسة صباحاً تقريباً.
ثم هبت رياح قويةأدت إلى الإسراع في اشتعال العجلين ثم في اخماد نيرانهما.
قال الرئيس: يجبأن نفكر في كيفية البقاء في هذه الصحراء، وكان قد أشار إلى أنه لمح عصفوراً فيالمنطقة، وقال : إذا كان العصفور موجوداً فإن ذلك يعني وجود حياة أن الماء موجودأيضاً، وأنه لا بد أن نفكر في كيفية الحفر للوصول إلى الماء.
بعد بزوغ الفجروتحسن الرؤية بعد طلوع الشمس أخرجنا جهاد الغول من بين الحديد والكراسي وكان محمددرويش قد استشهد مع الفجر تقريباً.
تعاونت مع عبد الرحيم في عمل مظلة للرئيسعند باب الطائرة في الخارج وجلس الرئيس في ظلالها ووضعنا الكراسي.
ثم تمكنامن إخراج صندوق العدة من منطقة ذيل الطائرة ووجدنا "عتلة حديدية" ومطرقة وبعضالأدوات التي يمكن استخدامها لاخراج المحشورين داخل الكابينة.
كان الخمسة فيداخل كابينة القيادة فوق بعضهم البعض، راينا في مقدمتهم " من جهتنا" المهندس عليغزلان ثم ماهر مشيعل وهو بدين، فتحنا فتحة في قمرة القيادة وبدأنا بإخراج عليغزلان، لمح الشباب في ذلك الوقت نقاط سوداء بعيدة، وقال الرئيس يبدو أن هناك من هوقادم باتجاهنا، وبدأت النقاط السوداء تكبر شيئاً فشيئاً، ثم اقتربت لتظهر من بعيدمجموعة من السيارات، جهز الرئيس مسدسه، وأخذ الجميع وضعية الاستعداد للقتال، ثماتضح لنا ان القادمين ليسوا "أعداء" وإنما كانوا من قوات الثورة الفلسطينية، وكانالعقيد خالد سلطان قائد القوات الفلسطينية في معسكر السارة على رأس المجموعة ومعهاثنين من الدلالين الليبيين، وهما من الخبراء في الصحراء وفي مواقعها وفي كيفية التنقل فيها، كان هناك نحو 10 سيارات جيب عسكرية (لاند روفر)، وفور وصولهم قامالعقيد خالد سلطان بتهنئة الرئيس بالسلامة ودعاه للصعود إلى إحدى السيارات، لكنالرئيس قال: لا... اذهبوا واخرجوا جثامين الشهداء... واجمعوا كل ما هو موجود داخلوحول الطائرة، وكذلك الصندوق الأسود، وبعد ذلك سنتوجه إلى المعسكر.
وفعلاً بعد تجميع كل "الموجودات" ونقل الجثث إلى السيارات توجهنا نحو معسكر السارة الذيكان يبعد 140 كيلو متراً عن موقع سقوط الطائرة.
كان الدلالان الليبيان قد وضعا علامات في طريق مجيئهم نحو الطائرة حتى تستخدم نفس الطريق في العودة خشية الوقوع في حقول الألغام التي كانت موجودة في تلك الصحراء الحدودية.
وصلنا معسكر السارة وكانت سيارات الإسعاف تنتظر، ومن هناك اتصل الرئيس مع الأخ فاروق القدومي ـ وكان اعضاء القيادة مجتمعين في تونس يتابعون التقارير عن اختفاء طائرة الرئيس - وطمأنه على وضعه، وبعد ذلك وصلت طائرة إسعافات عسكرية خاصة، وقاموا بتحميلالرئيس على حمالة إسعاف رغم أنه كان قادراً على السير. وصعدنا جميعاً إلى الطائرةالتي توجهت إلى بنغازي، وبعدها نقل الرئيس والآخرون إلى المستشفى.
وجاءالرئيس معمر القذافي مساء ذلك اليوم وزاره للاطمئنان على صحته، وفي اليوم التاليخرجنا من المستشفى وتوجهنا بمعية الرئيس إلى قصر الضيافة في بنغازي، وكان الرئيسالتونسي زين العابدين بن علي قد أخبر الرئيس بأنه يريد إعداد استقبال رسمي وشعبيله، لذلك تأجلت عودتنا إلى تونس مدة يوم.
وتوجهنا مع الرئيس بطائرة ليبية إلى تونس حيث لقي استقبالاً رسمياً وشعبياً حاشداً يتقدمه الرئيس التونسي في مطار قرطاج.
واستشهد ثلاثة فقط ممن كانوا على متن الطائرةوهم: الطياران محمد درويش وغسان إسماعيل والمهندس الروماني.
المنطقة التيانقطع الاتصال فيها تسمى "وادي جفف الصغير" وقد حددها الدلالان على الخريطة بعدتحديد زمن انقطاع الاتصال وتقدير الأبعاد.
وكانت فرق البحث تتقدم من منطقة معسكر السارة باتجاه "وادي جفف الصغير"، وكانوا يستخدمون المناظير المكبرة في عملمسح متتالي للمناطق التي يمرون منها حتى لمحوا "نقطة سوداء"، تأكدوا بعدها أنهاطائرة الرئيس فتقدموا نحوها.
أثناء عودتنا من موقع السقوط نحو معسكر السارة لاحظت طائرات مروحية وأيضاً سيارات يبدو أنها كانت تبحث عنا.
اعتبره حادثاً عادياً، ولكن الحمد لله أن نجونا، فقد كان الرئيس معرضاً باستمرار لعدة حوادث وكثيراً ما حدثت أعطال في "طائرة الرئيس" في الجو، وأحياناً كنا نجابه رياحاً قوية ومطبات هوائية ، ولكن لم"نلامس الموت" الا في حادث سقوط الطائرة في الصحراءالليبية.
رباطة جأش وهدوء في مواجهة الصعاب كان الرئيس هادئاً جداًبعد أن عثرت عليه في خارج الطائرة، وبعد ان ساعدناه على الوقوف بدا يتحرك فورا واخذ يسعف بيده ويتفقد الجميع ولا يمل من مواصلة الاطمئنان على الجميع.
ومن الغريب أن الرئيس استدعى الطيارين غسان إسماعيل ومحمد درويش قبل سفرنا من تونس إلى السودان، وتصورا معه صوراً تذكارية، وكتب بخطه كلمات عن الشهيدين على تلك الصور التذكارية بعد الحادث.
واثناء الحادث وبعده لم يخطر ببال الرئيس أبداًاحتمال ترك وصية أو الحديث كأنه قد يموت في تلك الحادثة ،وكان وكنا نحمد الله أننا نجونا من موت محقق.
هذا ما تحدث به الحارس الخاص لفخامة الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات(ابوعمار)...

0 التعليقات:
إرسال تعليق