صامد للأنباء\
نشر الدكتور حسين ابو النمل في صحيفة «النهار» البيروتية في 20 شباط الماضي مقالا بعنوان الاستبداد الديني فرع الاصل. وشاء من تعرضه لجذور الاستبداد، «تقزيم» مكانة الاستبداد الديني. نعم صحيح من حيث المبدأ ما ورد في مقالة ابو النمل، لان الاستبداد تاريخيا أسبق من الاستبداد الديني، وأشمل منه، ولا يجوز قصر الاستبداد على النموذج الديني. كل مراحل التاريخ منذ بدء الخليقة حتى يوم الدنيا هذا، والاستبداد موجود، ويستخدم من قبل كل الانظمة السياسية ( ملكية وجمهورية، ديكتاتورية وليبرالية، دينية ومدنية) بهدف الدفاع عن نفسها في مواجهة معارضيها. غير ان الاستبداد الديني تاريخيا كان اشدها واقصاها، والاكثر بطشا بحياة الانسان، دون إغفال اشكال الاستبداد للديكتاتوريات البوليسية.
لكن حصر المناقشة لموضوع الاستبداد من هذه الزاوية، ووضعه في إطار المقاربات بين «الاصل» و»الفرع» فيه هروب من طرح الاسئلة الاكثر إلحاحية، ومنها: هل انظمة الحكم الدينية، وخاصة حكم الاخوان المسلمين في فلسطين او مصر او غيرها، هم رواد دولة مدنية تقوم على الشراكة مع القوى والجماعات المشكلة للنظام السياسي أم لا؟ وما هي حدود وآفاق تطور دولة جماعة الاخوان المسلمين؟ وهل دولة الاخوان المسلمين (دولة الخلافة) تقبل القسمة على حدود الدولة الوطنية او القومية (في نطاق القياس بالنسبة للعالم العربي) أم هي دولة أممية بالمعنى الديني الواسع للكلمة؟ ألم يقل المرشد مهدي عاكف وقبل إستلام الجماعة الحكم في مصر، أن ماليزيا او اندونيسيا أهم من مصر، وهو يقصد هنا ماليزيا إخوانيا؟ وهل الدولة الدينية تؤصل للديمقراطية والحريات العامة والخاصة ام العكس صحيح؟
وعلى صعيد آخر، لماذا يتم قراءة موضوع العسكر تاريا بطريقة مشوهة في ظل الظروف المعاشة في مصر؟ وما هي معالم الانقلاب في مصر؟ وهل وجود رجل عسكري في الحكم دائما يشكل لعنة وعودة بسطار العسكر للقمع والتنكيل وتكميم الافواه؟ الم تؤكد تجربة عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، على سبيل المثال لا الحصر، نموذجا للرجل المؤمن بالديمقراطية؟ وهل يستطيع الفريق السيسي، الذي قبل مبدأ الترشح للانتخابات الرئاسية بناء على رغبة الجماهير المصرية، التخندق في مواقع الاستبداد وتبديد الديمقراطية، التي حملته الى لحظة استثنائية في تاريخه الشخصي والتاريخ المصري منذ أكثر من ستين عاما؟ وهل الوقوع بالاخطاء هنا وهناك من قبل اجهزة الامن المصرية، يعني أن المظهر العام للنظام السياسي الجديد سيكون غير ديمقراطي؟ ألم تفرض ومازالت تفرض جماعة الاخوان المسلمين وحلفاؤها من جماعات التكفير منطقها الارهابي على الشرعية السياسية الجديدة؟ ألم تكشف الاتفاقيات والارتباطات مع الغرب عموما واميركا خصوصا ومن خلفها إسرائيل، التي كشفها حكم الجماعة في مصر ، وما نشره وكشفه المستقيلون من الجماعة، يدلل على ان الجماعة ليست بوارد البحث عن مصالح الوطن والوطنية المصرية ؟ أليست المعارك التي فجرها انصار وقادة الجماعة مع الاقباط المصريين (المسيحيين) والقوانين، التي سنوها، تكشف عن المنحى، الذي تتجه إليه تلك الجماعة؟ وهل يجوز المفاضلة بين مدنية وهمية (جماعة الاخوان) ووضباط عسكريون إستجابوا لارادة الشعب والامة؟ وهل مرجعية حكم المرشد والقوة الخاصة والعبث بمصير البلاد يشي بوجود حكم مدني؟
الف سؤال وسؤال يطرح نفسه على اي قارىء عقلاني لمقالة الدكتور حسين ابو النمل، لانها مقالة تعكس إسقاطات رغبوية من الكاتب على واقع الحال المصري والعربي، وكونها تجتزأ الحالة المصرية بطريقة تشويهية، ولا تقرأ التاريخ في سياق التطور الموضوعي. بالتأكيد العسكر لعبوا تاريخيا دورا سلبا في إدارة الحكم، ولكن ليس كل عسكري هو رجل إستبداد. لان من يستجيب لنداء الشعب ويحميه من بطش الجماعة الاكثر إستبدادا ووحشية، لا يمكن ان يكون مستبدا، حتى لو حصل ووقعت اخطاء طالت العديد من ابناء الشعب المصري.
كنت اتمنى على الدكتور حسين ان ينسجم مع نفسه وتاريخه وخلفياته الفكرية والسياسية، لتكون استنتاجاته اكثر واقعية وقدرة على مقاربة الواقع مع طموحات واهداف قطاعات الشعب المصري الواسعة، التي تمثل الاغلبية الساحقة في الشارع. لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه.. وللحوار بقية.
a.a.alrhman@gmail.com
oalghoul@gmail.com

0 التعليقات:
إرسال تعليق